رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

156

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

وغاية ما دلّ عليه كلامهم أنّ التربية أحد معاني الربّ ، لا أنّها معناه الأصلي . والذي أرى أنّ التربية من الريب من باب التظنّي من الظنّ . في الصحاح : « التظنّي : إعمال الظنّ ، وأصله التظنّن ، ابدل من إحدى النونات ياءً » . « 1 » ومثله في القاموس . « 2 » وقال صاحب المغرب : « أمّا الإملاء على الكاتب فأصله الإملال » . « 3 » ومقتضى قوله عليه السلام : « ودلّهم على ربوبيّته بالأدلّة ، فقال : « وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ » » ربوبيّته تعالى وإلهيّته بمعنى ، ولعلّه استعمل الربوبيّة هاهنا في معنى المالكيّة ، والمالك الحقيقي يتذلّل له الملوك فضلًا عن غيرهم ، فيؤول معنى الإله ؛ لأنّه بمعنى المعبود ، أي المتذلّل له بالاستحقاق كما ستعرف . والمراد بالأدلّة هي المذكورات في الآية الثانية ، والآية الأولى إنّما هي لذكر المطلوب المستدلّ عليه الواجب تقديمه ، ودلالة اللَّه على ربوبيّته بالأدلّة وقعت مرّتين : مرّة بأن سطرها بقلم الإبداع في رقّ الإمكان ، ومرّة بأن نبّه عليها بلسان نبيّه ونجيّه وأمينه على وحيه صلى الله عليه وآله . والفاء في قول الإمام عليه السلام : « فقال » هي التي يؤتى بها لتفصيل ما أجمل ، كما في قوله تعالى : « وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ » « 4 » ، وقولك : « توضّأتُ ، فغسلتُ وجهي ويدي ، ومسحتُ رأسي ورجلي » . ثمّ اعلموا أيُّها الإخوان - رقى اللَّه بكم إلى أقصى درجات الإيمان - أنّ اللَّه تبارك وتعالى أخبر في كتابه العزيز عن غرض الخلقة ، فقال : « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » « 5 » . وفي خطبة مولانا الرضا عليه السلام التي رواها الصدوق - طاب ثراه - في كتاب عيون الأخبار : « أوّل عبادة اللَّه معرفته ، وكمال معرفته توحيده » الخطبة . « 6 » وهذه الآية التي نحن فيها في أمر التوحيد ، واللَّه تعالى بكمال رأفته ورحمته بكم

--> ( 1 ) . الصحاح ، ج 6 ، ص 216 ( ظنن ) . ( 2 ) . القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 245 ( ظنن ) . ( 3 ) . المغرب ، ص 434 ( ملي ) . ( 4 ) . هود ( 11 ) : 45 . ( 5 ) . الذاريات ( 51 ) : 56 . ( 6 ) . عيون أخبار الرضا ، ج 1 ، ص 149 ، ح 51 . وفيه : « أصل معرفة اللَّه » بدل « كمال معرفته » .